Saturday, 18 November 2017

الكاراتيه - دو

(اسلوب التطوير الروحي للشخصية الانسانية في العقل والجسد)

فن الكمال الذاتي عن طريق تقنيات اليد الخالية 

ان رياضة الكاراتيه – دو ، من حيث الجوهر ، هي مجموعة من التقنيات والحركات والأوضاع الروحانية وحالات من الصفاء الذهني وتركيز العقل تنتظم كلها في منظومة واحدة لتشكل فنا قتاليا راقيا ، حيث تجاهد الكاراتيه من خلال تلك المنظومة وعن طريق التدريب المنظم والصارم والدقيق للعقل والروح والجسد لتحقيق معرفة الذات والآخرين وللوصول الى الابداع المطلق والى حالة من التناغم والانسجام التام بين الذات والعالم .  انها طريقة نظام وانضباط تؤدي بدورها الى تطوير جسد قوي ووعي ويقظة كاملة للعقل عن طريق البحث الدائم للكمال الذاتي في كل من الجسد والروح لكي يحقق الانسان ذاته بالكامل .

لهذا ، فان الكاراتيه – دو هي طريقة حياتية شمولية وبغض النظر عن كونها طريقة قتالية عنيفة ، الا أنها تعلم الانسان التواضع مجبولا بالثقة والشجاعة ، وتعلمه الدفاع عن النفس مجبولا باحترام الحياة والقيود والأعراف الاجتماعية .

وللوصول الى هذا الهدف السامي ، فانه يتم تدريب العقل والجسد معا وتطويرهما من خلال استخدام اللكم والرفس والضرب والالقاء والمسك وتقنيات اقفال المفاصل ، والتي تؤلف كلها مجتمعة " الكاراتيه – دو " (تقنيات اليد الخالية) ، وأيضا من خلال استخدام الأسلحة الطويلة والقصيرة كنوع من التوسع والتمدد لليد من أجل الهجوم والالقاء ودفع الخصم بعيدا والضرب " بوكي – هو" (تقنيات الأسلحة) .

لذلك فان (الكاراتيه – هو) و (البوكي – هو) تشكلان معا فنون الكاراتيه – دو .

ان تقنيات الكيهون (الحركات الأساسية) المستخدمة في الكاراتيه ، قد أدت الى تحسين أشكال الكاتا ومن ثم تطبيقها في فنون الكوميته (القتال) . كما أن الخبرة المتراكمة عن طريق التدريب وتطبيق تقنيات الكوميته تؤدي بالتالي الى اتقان آداء أساليب الكاتا والكيهون . لذلك فان تقنيات الكيهون والكاتا والكوميته تؤلف فيما بينها ثالوثا لايقبل الفصل وأساسا لفنون الكاراتيه- دو .

من خلال التكرار الدائم والمستمر لهذه التقنيات , فان الجسم يتكيف على الحركة بشكل طبيعي وبدون جهد,  كما ان العقل يتحرر أيضا من الضغوط الخارجية ويتكيف بشكل طبيعي مع الظروف المحيطة وبدون أي جهد أيضا . لذلك فان الكاراتيه – دو هي طريق اعادة التوازن الطبيعي الى العقل والجسم والروح معا . 

تحليل لمعنى كلمة " كاراتيه – دو :

ان كلمة " كاراتيه – دو " تتألف من ثلاثة رموز في اللغة اليابانية : (كارا kara) , (تي Te) , و رمز (دو Do) .

ان رمز (كارا kara) في التاريخ الياباني تشير الى واحد من أكثر العصور اشراقا وازدهارا في التاريخ الصيني عندما قامت سلالة (تانغ) بحكم الصين حوالي (618 – 907 قبل الميلاد)  ومن ثم أصبحت تمثل الصين نفسها لدى اليابانيين .

ورمز (تي Te) تعني " اليد" أو " التقنية" .  أما رمز (دو Do) فانه يشير الى " الطريقة الفلسفية" أو "المبدأ" والذي من خلاله يتم تحقيق الذات . لذلك ، فان كلمة ورموز " كارا - تي – دو " تعني حرفيا " طريقة الكمال الذاتي من خلال ممارسة التقنيات المتأصلة خلال عصر تانغ" .

ان كلمة " كاراتيه" استخدمت ودخلت أولا الى أوكيناوا لتحديد " تقنيات القتال الصينية" ، والتي شملت حينها كل من تقنيات اليد الخالية واليد المسلحة (كاراتي – هو ) و ( بوكي – هو) .  ولكن كما هو الغالب في الاستخدام الياباني للرموز الصينية, فان كلمة ( كارا) يمكن كتابتها بطريقة مختلفة عن أصولها لتلفظ (كو أو سورا) والتي تعني " خالي" أو " حر كالهواء" او "غير محدود كالسماء" .

وبهذا المدلول فاننا قد نتوصل الى مفهوم آخر للكاراتيه – دو والذي يعني "طريقة الكمال الذاتي من خلال التدريب على تقنيات الخواء أو الفراغ " . ان الفراغ او الخواء قد تم فهمه من الناحية الجسدية (بدون اسلحة) ومن الناحية العقلية (بعقل فارغ أو حر) .

ومما يؤسف له أنه عندما دخلت الكاراتيه الى اليابان ، فان الحركات الوطنية والمعارضة للصين زمن الحرب اليابانية الصينية بين عامي (1894 – 1895) جعلت بعض مدربي الكاراتيه يقومون بانكار المعنى الأول للكاراتيه ويرجعون مفهومها الى معنى " القتال باليد الخالية" .  انهم بهذا المفهوم ، يحذفون من الكاراتيه واحدا من أهم العناصر المكملة لها وهو عنصر (بوكي – هو ) تقنيات السلاح .

قيمة الكاراتيه – دو :

ان الكاراتيه – دو هي أساسا فن قتالي (بودو) ، كما أنها أيضا وسيلة للوصول الى " الطريق" (دو) عن طريق "التدريب على الأسلحة" (بو) .  وكما هو في أي فن قتالي ، فان الكاراتيه – دو تتطلب وتؤكد على الالتزام الصارم والثابت بالمبادىء الأخلاقية والانسانية . اضافة الى ذلك ، فان الجسم يخضع أيضا لتدريبات شاقة لسنوات عديدة . وهذا من شأنه ان يطور ليس فقط جسما قويا ولكن أيضا قوة هائلة في الشخصية .

ان فن التحكم والسيطرة مطلوب ليس فقط في آداء التقنيات والحركات ، ولكن ايضا على العواطف مثل الخوف والألم والكره والغضب وغيرها من العواطف الانسانية . وكون الكاراتيه – دو فن قتالي ، فانه يتداخل فيه مواجهة وتحدي ارادتين اثنتين ، كل منها تقرر وتحدد وتهدف الى الربح والفوز . كما أن هذا التحدي يطور بدوره صفات مثل الثبات والجلد والصبر وأيضا التواضع واحترام الذات والآخرين .

ان الكاراتيه – دو هي أيضا أحد الوسائل الهائلة والمرعبة في الدفاع عن النفس والتي لاتتطلب أي نوع من أسلحة خاصة . ان الأسلحة متوفرة دائما عند الحاجة . كما ان من القيم والفوائد الملاحظة في الكاراتيه – دو عند الدفاع عن النفس ، أن الدفاع  يتلائم تماما مع الهجوم ،  فاذا استخدمت البندقية أو الأسلحة النارية في الدفاع عن النفس ، فان لايمكن عمل شيء الا اطلاق النار على الخصم . أما في حالة الكاراتيه-دو ، فانه يمكنك تماما ابعاد خصمك بدون الحاجة الى قتله أو التسبب بعجزه . ان حالة ووضع الدفاع عن النفس تساعد الفرد تجنب العديد من الأمراض والحوادث الطبيعية عن طريق تطوير وسيلة دفاعية أكثر عناية بالحياة اليومية .

ان القيمة الفيزيائية  والجسدية للكاراتيه-دو فريدة من نوعها . انها نشاط شمولي وعام من شأنه تطوير كل جزء من الجسم بشكل متساوي ومعتدل بدون الحاجة الى القلق عن كون بعض العضلات مازالت قيد التطوير أو تم المبالغة في تطويرها وتنشيطها . ومن قيمها أيضا ، أنه يمكن التدرب وممارسة الكاراتيه في أي مكان وأي وقت بدون الحاجة الى مكان خاص للتدريب . كما يمكن ممارستها بشكل منفرد بدون الحاجة الى وجود شريك ؛ وتلك تعتبر ميزة منفردة في الكاراتيه عن باقي أنواع الرياضات الأخرى . لذلك فانه يمكن لأي فرد ممارسة الكاراتيه وتحصيل الفائدة منها .

كما من قيمها ، امكانية مجاراة تمرينك مع حالتك الجسدية أو مع أهدافك .  لذلك ، فقد أصبحت الكاراتيه في أيامنا هذه رياضة تنافسية شائعة وهي بهذا تلبي حاجة الشباب نحو اكتشاف أنفسهم وذاتهم .

الجذور التاريخية للكاراتيه – دو :

ان أصول الكاراتيه-دو قد ضاعت في العصور القديمة . وبشكل عام ، فان الشعوب في كل الأزمنة وفي كل الأماكن في العالم ، تعلمت ذاتيا وفطريا كيفية الدفاع عن أنفسهم  والقتال بأيدي مجردة من الأسلحة أولا ، ومن ثم بالأسلحة . كما أن أوائل التقنيات القتالية كانت تقنيات دفاعية بحت .

وباختصار ، فان تاريخها يعود الى ماقبل 3700 سنة عندما نشأت في عصر السومريين الذين أسسوا في ذاك الوقت حضارة عظيمة ازدهرت بالفنون والفلسفة وبعض الممارسات الرياضية وفنون الاشتباك االقتالية التي كانت شديدة الشبهه في أيامنا هذه بمشاهد المصارعة والملاكمة وأشكال القتال بالأيدي . كما وتم اكتشاف بعض الرسوم والمنحوتات المشابهة داخل قبور وأضرحة قدماء المصريين تعود تاريخها الى ماقبل 3000 سنة .  وتم اكتشاف بعض المنحوتات والحفريات تمثل أوضاعا ووقفات قتالية في المعابد الهندية البوذية وتعود بتاريخها الى عدة آلاف من السنوات .

وقبل مجىء البوذية الى الهند ، فقد تم اكتشاف وسائل العلاج الطبي وتم تحديد النقاط والمراكز الحيوية في الجسم البشري، مما ساعد على تطوير آساليب الدفاع عن النفس باستخدام النقاط الحيوية في الجسم للسيطرة على الخصم .

أما في زمننا الحالي ، فان أبو الكاراتيه الحديثة هو الأستاذ الأول (كيتشن فوناكوشي) الذي جاء من أوكيناوا ثم قام بادخال الكاراتيه الى اليابان حوالي عام 1916 ومن ثم تم اعتمادها رسميا وتطويرها من قبل فوناكوشي عام 1930م .

 

 

.
karate-dobig1
karate-dobig2 karate-dobig3